الشيخ باقر شريف القرشي

22

أخلاق النبي ( ص ) وأهل بيته ( ع )

4 - الوفاء ومن معالي أخلاقه الوفاء ، فقد كان من أوفى النّاس لمن أحسن إليه ، ومن وفائه أنّه كان يذكر دوما زوجته امّ المؤمنين خديجة التي ما تركت لونا من ألوان البرّ والإحسان إلّا قدّمته إليه ، فقد وقفت إلى جانبه أيّام محنة الإسلام وغربته ، وقدّمت جميع ما تملكه من الثراء العريض لخدمة الإسلام ، وقد شكر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله هذا الإحسان ، فكان يذكرها دوما بمزيد من التبجيل والتعظيم بعد وفاتها ، وكان إذا ذبح شاة تخيّر أطيب ما فيها من لحم ، وبعثه إلى صديقات خديجة ، وقد شقّ ذلك على عائشة ، وضاقت منه ذرعا ، فقالت له : يا رسول اللّه ، ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك اللّه خيرا منها ، فنهرها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقال مغضبا : « ما أبدلني اللّه تعالى خيرا منها ، امنت بي حينما كفر بي النّاس ، وواستني بمالها حينما حرمني النّاس ، ورزقت منها الولد - وهي سيّدة نساء العالمين فاطمة الزّهراء عليها السّلام - ولم ارزق من غيرها » . وقد زارته هالة أخت خديجة ؛ فلمّا سمع صوتها فرح ورحّب بها غاية الترحيب ، وراح يقول : « هالة أخت خديجة » ، وان هذا حقّا غاية الوفاء . ومن عظيم وفائه أنّه كان يبعث بالصلة والكسوة إلى إحدى مرضعاته ، ولمّا جيء بالسبي في واقعة حنين رأى أخته من الرضاعة في سبايا هوازن ، فلمّا رآها عرفها ، فدعا بها ، فلمّا مثلت عنده بسط لها رداءه فجلست عليه ، وقال لها : « إن أحببت أقمت عندي محبّبة مكرّمة ، وإن أحببت أن امتّعك وترجعي إلى قومك » ، فاختارت الرجوع ، فمتّعها « 1 » . لقد كان الوفاء جزء من كيانه ، وذاتا من ذاتيّاته ، ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة

--> ( 1 ) نهاية الإرب : 18 / 268 .